فصل: الغشّ في التّولية

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


غِشّ

التّعريف

1 - الغشّ بالكسر في اللّغة نقيض النّصح،يقال‏:‏ غشّ صاحبه‏:‏ إذا زيّن له غير المصلحة، وأظهر له غير ما أضمر، ولبن مغشوش‏:‏ أي مخلوط بالماء‏.‏

ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - التّدليس‏:‏

2 - التّدليس‏:‏ الخديعة وهو مصدر دلّس، والدّلسة‏:‏ الظّلمة، والتّدليس في البيع‏:‏ كتمان عيب السّلعة عن المشتري، يقال‏:‏ دلّس البائع تدليساً‏:‏ كتم عيب السّلعة عن المشتري وأخفاه، ومنه التّدليس في الإسناد‏.‏

فالتّدليس من أنواع الغشّ‏.‏

ب - التّغرير‏:‏

3 - التّغرير هو‏:‏ الخطر والخدعة، وتعريض المرء نفسه أو ماله للهلكة، وقال الجرجانيّ‏:‏ الغرر‏:‏ ما يكون مجهول العاقبة لا يدرى أيكون أم لا‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ التّغرير توصيف المبيع للمشتري بغير صفته الحقيقيّة‏.‏

وبيع الغرر هو البيع الّذي فيه خطر انفساخه بهلاك المبيع‏.‏

والتّغرير من أنواع الغشّ‏.‏

ج - الخِلابة‏:‏

4 - الخِلابة بالكسر‏:‏ المخادعة، وقيل‏:‏ الخديعة باللّسان، وقد ورد في الحديث عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال لرجل كان يخدع في البيوع‏:‏ «إذا بايعت فقل‏:‏ لا خلابة»‏.‏ والخلابة نوع من الغشّ‏.‏

الحكم التّكليفيّ

5 - اتّفق الفقهاء على أنّ الغشّ حرام سواء أكان بالقول أم بالفعل، وسواء أكان بكتمان العيب في المعقود عليه أو الثّمن أم بالكذب والخديعة، وسواء أكان في المعاملات أم في غيرها من المشورة والنّصيحة‏.‏

وقد ورد في تحريم الغشّ ما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم «مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال‏:‏ ما هذا يا صاحب الطّعام ‏؟‏ قال‏:‏ أصابته السّماء يا رسول اللّه، قال‏:‏ أفلا جعلته فوق الطّعام كي يراه النّاس من غشّنا فليس منّي»‏.‏ وفي حديث آخر‏:‏ «من غشّنا فليس منّا»‏.‏

وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ هذا الحديث وأمثاله غير محمول على الظّاهر، فالغشّ لا يخرج الغاشّ عن الإسلام، قال الخطّابيّ‏:‏ معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا‏.‏

ومثله ما ذكره ابن رشد الجدّ في معنى الحديث، حديث قال‏:‏ من غشّ فليس منّا أي‏:‏ ليس على مثل هدانا وطريقتنا، إلاّ أنّ الغشّ لا يخرج الغاشّ من الإيمان، فهو معدود في جملة المؤمنين، إلاّ أنّه ليس على هداهم وسبيلهم ؛ لمخالفته إيّاهم في التزام ما يلزمه في شريعة الإسلام لأخيه المسلم‏.‏‏.‏ فلا يحلّ لامرئ مسلم أن يبيع سلعةً من السّلع أو داراً أو عقاراً أو ذهباً أو فضّةً أو شيئاً من الأشياء - وهو يعلم فيه عيباً قلّ أو كثر - حتّى يبيّن ذلك لمبتاعه، ويقفه عليه وقفاً يكون علمه به كعلمه، فإن لم يفعل ذلك وكتمه العيب وغشّه بذلك لم يزل في مقت اللّه ولعنة ملائكة اللّه‏.‏ ثمّ قال‏:‏ وقد يحتمل أن يحمل قوله‏:‏ «من غشّنا فليس منّا» على ظاهره فيمن غشّ المسلمين مستحلّاً لذلك ؛ لأنّ من استحلّ التّدليس بالعيوب والغشّ في البيوع وغيرها، فهو كافر حلال الدّم يستتاب، فإن تاب وإلاّ قتل‏.‏

ولا تختلف كلمة الفقهاء في أنّ النّصح في المعاملة واجب‏.‏

وقد بيّن الغزاليّ ضابط النّصح المأمور به في المعاملة في أربعة أمور‏:‏ أن لا يثني على السّلعة بما ليس فيها، وأن لا يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها شيئاً أصلاً، وأن لا يكتم في وزنها ومقدارها شيئاً، وأن لا يكتم من سعرها ما لو عرفه المعامل لامتنع عنه، ثمّ قال‏:‏ فإن أخفاه كان ظالماً غاشّاً،والغشّ حرام، وكان تاركاً للنّصح في المعاملة، والنّصح واجب‏.‏ وقد رجّح أكثر الفقهاء القول بأنّ الغشّ كبيرة، وصرّح بعضهم بأنّه يفسق فاعله وتردّ شهادته، وقد علّل ابن عابدين هذا التّرجيح بقوله‏:‏ لأنّ الغشّ من أكل أموال النّاس بالباطل‏.‏

الغشّ في المعاملات

6 - يحصل الغشّ كثيراً في المعاملات الماليّة الّتي تتعلّق بالمعاوضات، وقد ذكر بعض الفقهاء صوراً للغشّ الواقع في زمانهم بين التّجّار والصّنّاع‏.‏

وللغشّ صور مختلفة كالغشّ بالتّدليس والخيانة والكذب ونحو ذلك، كما أنّ للغشّ آثاراً متنوّعةً كالغبن والغرر ونحوها‏.‏

أوّلاً - الغشّ بالتّدليس والتّصرية

7 - يقع الغشّ في المعاملات كثيراً بصورة التّدليس القوليّ، كالكذب في سعر المبيع، أو الفعليّ ككتمان عيوب المعقود عليه، أو بصورة التّصرية كأن يترك البائع حلب النّاقة أو غيرها مدّةً قبل بيعها ليوهم المشتري كثرة اللّبن، وإذا وقع ذلك يخدع المشتري، فيبرم العقد وهو غير راض بذلك إذا علم الحقيقة‏.‏

وقد ذهب الفقهاء إلى أنّ التّدليس عيب، فإذا اختلف الثّمن لأجله في المعاملات يثبت به الخيار،بشرط أن لا يعلم المدلّس عليه العيب قبل العقد أو عنده، وأن لا يكون العيب ظاهراً‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏تدليس ف /7 وما بعدها‏)‏‏.‏

وفي الغشّ بصورة التّصرية‏:‏ ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّ تصرية الحيوان عيب يثبت به الخيار للمشتري وذلك لحديث‏:‏ «لا تُصَرّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنّه بخير النّظرين بعد أن يحلبها‏:‏ إن شاء أمسك وإن شاء ردّها وصاع تمر»‏.‏

ولا يعتبر أبو حنيفة التّصرية عيباً مثبتاً للخيار بدليل أنّه لو لم تكن مصرّاةً فوجدها أقلّ لبناً من أمثالها لم يملك ردّها، ويرجع على البائع بأرشها‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏تصرية ف /3 وما بعدها‏)‏‏.‏

ثانياً - الغشّ المسبّب للغبن

8 - الغشّ يؤثّر كثيراً في المعاوضات الماليّة بصورة الغبن، فيحصل النّقص في ثمن المبيع أو بدل المعقود عليه في سائر العقود‏.‏

وقد ذهب الفقهاء إلى أنّ الغبن اليسير - وهو ما يحتمل غالباً، أو يدخل تحت تقويم المقوّمين - لا يثبت خياراً للمغبون‏.‏

أمّا الغبن الفاحش فاختلف الفقهاء في أثره على العقد وثبوت الخيار للمغبون‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏غرر، وغبن، وخيار الغبن ف /3 وما بعدها‏)‏‏.‏

التّعامل بالنّقد المغشوش

9 - أجاز جمهور الفقهاء إنفاق المغشوش من النّقود إذا اصطلحوا عليه وظهر غشّه، ولهم في المسألة التّفصيل التّالي‏:‏

ذهب الحنفيّة إلى أنّ الشّراء بالدّراهم المغشوشة جائز، وذلك فيما إذا كان الغشّ فيها غالباً والفضّة مغلوبةً، سواء أكان بالوزن أو العدد حسب تعامل النّاس لها كالفلوس الرّائجة‏.‏ وكذلك إذا كانت الفضّة فيها غالبةً أو متساويةً مع الغشّ، إلاّ أنّها هنا إذا قوبلت بجنسها جاز التّعامل بها وزناً لا عدداً ؛ لأنّ الفضّة وزنيّة في الأصل والغالب له حكم الكلّ، أمّا في صور التّساوي فالحكم بالفساد عند تعارض جهتي الجواز والفساد أحوط،كما علّله الكاسانيّ‏.‏ أمّا عند المالكيّة فقد نقل الحطّاب عن العتبيّة أنّ العامّة إذا اصطلحت على سكّة، وإن كانت مغشوشةً فلا تقطع ‏"‏ أي لا تمنع من التّداول ‏"‏ لأنّ ذلك يؤدّي إلى إتلاف رءوس أموال النّاس، ثمّ ذكر الفتوى على قطع الدّراهم الزّائفة الّتي يزاد في غشّها حتّى صارت نحاساً‏.‏ وكذا الذّهب المحلّاة لعدم ضبطها في الغشّ‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ يكره للإمام ضرب المغشوش لخبر‏:‏ «من غشّنا فليس منّا» ولئلاّ يغشّ بها بعض النّاس بعضاً، فإن علم معيارها صحّت المعاملة بها معيّنةً وفي الذّمّة اتّفاقاً، وإن كان مجهولاً ففيه أربعة أوجه‏:‏ أصحّها الصّحّة مطلقاً كبيع الغالية والمعجونات، ولأنّ المقصود رواجها وهي رائجة، ولحاجة المعاملة بها، والثّاني‏:‏ لا يصحّ مطلقاً كاللّبن المخلوط بالماء، والثّالث‏:‏ وإن كان الغشّ مغلوباً صحّ التّعامل بها، وإن كان غالباً لم يصحّ، والرّابع‏:‏ يصحّ التّعامل بها في العين دون الذّمّة‏.‏

وللحنابلة في المغشوش من النّقود روايتان‏:‏ أظهرهما الجواز، قال ابن قدامة‏:‏ نقل صالح عن أحمد في درهم يقال لها المسيّبيّة عامّتها نحاس إلاّ شيئاً فيها فضّة، فقال‏:‏ إذا كان شيئاً اصطلحوا عليه - مثل الفلوس - واصطلحوا عليها فأرجو أن لا يكون بها بأس‏.‏

والثّانية‏:‏ التّحريم‏:‏ نقل حنبل في دراهم مخلوطة يشترى بها ويباع فلا يجوز أن يبتاع بها أحد، كلّ ما وقع عليه اسم الغشّ فالشّراء به والبيع حرام‏.‏

قال ابن قدامة‏:‏ والأولى أن يحمل كلام أحمد في الجواز على الخصوص فيما ظهر غشّه واصطلح عليه، فإنّ المعاملة به جائزة، إذ ليس فيه أكثر من اشتماله على جنسين لا غرر فيهما، فلا يمنع من بيعهما كما لو كانا متميّزين‏.‏

وللتّفصيل ينظر مصطلح‏:‏ ‏(‏فلوس‏)‏‏.‏

صرف المغشوش بجنسه أو بالذّهب والفضّة

10 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ ما غلب ذهبه أو فضّته حكمه حكم النّقود الخالصة، فلا يجوز صرف بعضه ببعض، ولا بالخالصة إلاّ متساوياً وزناً مع التّقابض‏.‏

وما غلب غشّه على الذّهب أو الفضّة فحكمه حكم العروض، يصحّ بيعه بالخالص إن كان الخالص أكثر ممّا في المغشوش، وكذلك حكم متساوي الغشّ والفضّة، فيصرف فضّة كلّ واحد منهما إلى غشّ الآخر وبالعكس‏.‏

ويجوز عند المالكيّة بيع نقد مغشوش بمثله ولو لم يتساو غشّهما، ويؤخذ من كلامهم جواز بيع المغشوش بصنفه الخالص أيضاً إذا كان يجري بين النّاس‏.‏

أمّا الشّافعيّة فالغشّ المخالط في الموزون ممنوع عندهم مطلقاً، قليلاً كان أم كثيراً، فلا تباع فضّة خالصة بمغشوشة، ولا فضّة مغشوشة بفضّة مغشوشة، ومثله الذّهب‏.‏

وأجاز الحنابلة بيع الأثمان المغشوشة بالمغشوشة إذا كان الغشّ فيهما متساوياً ومعلوم المقدار، ولا يجوز عندهم إذا كان الغشّ في الثّمن أو المثمّن متفاوتاً أو غير معلوم المقدار، كما لا يجوز بيع الأثمان المغشوشة بأثمان خالصة من جنسها‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏صرف ف /41 - 44‏)‏‏.‏

الغشّ في المكيال والميزان

11 - لقد عظّم اللّه تعالى أمر الكيل والوزن، وأمر بالوفاء فيهما، ونهى عن الغشّ بالبخس والتّطفيف فيهما، وذلك في عدّة آيات، منها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ، وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏}‏، وتوعّد المطفّفين بالويل وهدّدهم بعذاب يوم القيامة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏‏.‏

وذكره الذّهبيّ في الكبائر وقال‏:‏ وذلك ضرب من السّرقة والخيانة وأكل المال بالباطل‏.‏

وقد ذكر الفقهاء في وظائف المحتسب أنّ ممّا هو عمدة نظره المنع من التّطفيف والبخس في المكاييل والموازين والصّنجات، وأن يطبع عليها طابعه، وله الأدب عليه والمعاقبة فيه، فإن زوّر قوم على طابعه كان الزّور فيه كالمبهرج على طابع الدّراهم والدّنانير، فإن قرن التّزوير بغشّ كان الإنكار عليه والتّأديب مستحقّاً من وجهين‏:‏ أحدهما في حقّ السّلطنة من جهة التّزوير، والثّاني من جهة الشّرع في الغشّ، وهو أغلظ المنكرين، وإن سلم التّزوير من غشّ تفرّد بالإنكار لحقّ السّلطنة خاصّةً‏.‏

وينظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏تطفيف ف /3، 4، وحسبة ف /34‏)‏‏.‏

الغشّ في المرابحة

12 - ذهب الشّافعيّة في الأظهر عندهم والحنابلة إلى أنّه لو باع شيئاً مرابحةً فقال‏:‏ هو عليّ بمائة بعتك بها وبربح عشرة، ثمّ علم أنّ رأس ماله تسعون، فالبيع صحيح، وللمشتري الرّجوع على البائع بما زاد على رأس المال وهو عشرة وحظّها من الرّبح - وهو درهم - فيبقى على المشتري بتسعة وتسعين‏.‏

وقريب منه ما قاله أبو يوسف من الحنفيّة بأنّه إذا اشتراه بعشرة دراهم وباعه بربح خمسة، ثمّ ظهر أنّ البائع اشتراه بثمانية فإنّه يحطّ قدر الخيانة من الأصل وهو الخمس - أي درهمان وما قابله من الرّبح - وهو درهم، فيأخذ الثّوب باثني عشر درهماً‏.‏

وقد علّل الشّافعيّة حطّ الزّيادة وربحها بقولهم‏:‏ لأنّه تمليك باعتماد الثّمن الأوّل فتحطّ الزّيادة عنه‏.‏

والقول الثّاني عند الشّافعيّة‏:‏ لا يحطّ شيء ؛ لأنّه قد سمّى عوضاً وعقد به‏.‏

وبناءً على الحطّ فهل للمشتري خيار ‏؟‏ الأظهر عند الشّافعيّة أنّه لا خيار للمشتري ولا للبائع، سواء أكان المبيع باقياً أم تالفاً، أمّا المشتري فلأنّه إذا رضي بالأكثر فبالأقلّ من باب أولى، وأمّا البائع فلتدليسه‏.‏

وهذا ظاهر كلام الخرقيّ، كما قال ابن قدامة‏.‏

والمنصوص عن أحمد أنّ المشتري مخيّر بين أخذ المبيع برأس ماله وحصّته من الرّبح، وبين تركه، لأنّه لا يأمن الخيانة في هذا الثّمن أيضاً‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ إن كذب البائع في إخباره، كأن يخبره أنّه اشتراه بخمسين وقد كان اشتراه بأربعين - سواء أكان عمداً أم خطأً - لزم البيع المشتري إن حطّ البائع الزّائد المكذوب‏.‏ وإلاّ خيّر بين التّماسك والرّدّ، وإذا غشّ بأن اشتراه بثمانية مثلاً ويرقّم عليها عشرةً، ثمّ يبيعها مرابحةً فالمشتري مخيّر بين أن يتماسك بجميع الثّمن الّذي نقده - وهو الثّمانية وربحها - أو يردّها على البائع ويرجع بثمنه‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ إن ظهرت خيانة البائع في مرابحة أخذه المشتري بكلّ ثمنه أو ردّه لفوات الرّضا‏.‏

وللغشّ في المرابحة صور وأحكام ينظر تفصيلها في مصطلح‏:‏ ‏(‏مرابحة‏)‏‏.‏

الغشّ في التّولية

13 - إذا ظهرت الخيانة في التّولية في صفة الثّمن بأن اشترى شيئاً نسيئةً، ثمّ باعه توليةً على الثّمن الأوّل، ولم يبيّن أنّه اشتراه نسيئةً، فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ للمشتري الخيار في ردّ المبيع وأخذه إن كان قائماً، وإذا هلك أو استهلك فلا خيار له ويلزمه جميع الثّمن حالّاً مع تفصيل في ذلك‏.‏

وعند الحنابلة في المذهب يأخذ المشتري المبيع بالثّمن مؤجّلاً بالأجل الّذي اشتراه البائع إليه، ولا خيار له‏.‏

وإن ظهرت الخيانة في قدر الثّمن، فذهب الحنفيّة والشّافعيّة في الأظهر والحنابلة إلى أنّه يحطّ قدر الخيانة، ويلزم العقد بالثّمن الباقي دون خيار‏.‏

وعند المالكيّة‏:‏ إن حطّ البائع الزّائد يلزم المشتري البيع، وإلاّ يخيّر بين أن يردّ السّلعة أو يأخذها بجميع الثّمن‏.‏

وينظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏تولية ف /18، 19‏)‏‏.‏

الغشّ في الوضيعة

14 - حكم الغشّ والخيانة في الوضيعة يشبه حكم الغشّ في المرابحة ؛ لأنّها في الحقيقة ربح المشتري‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏وضيعة‏)‏‏.‏

غشّ الزّوج أو الزّوجة في النّكاح

15 - إذا غشّ أحد الزّوجين الآخر بكتمان عيب فيه ينافي الاستمتاع أو كمال الاستمتاع، يثبت للمتضرّر منهما خيار الفسخ عند جمهور الفقهاء في الجملة‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏طلاق ف /93 وما بعدها‏)‏‏.‏

غشّ ولاة الأمور لرعيّتهم

16 - المراد بأولي الأمر الأمراء والحكّام وكلّ من تقلّد شيئاً من أمر المسلمين، وقد حمله كثير من العلماء على ما يعمّ الأمراء والعلماء‏.‏

وقد ورد في التّحذير من غشّهم للرّعيّة أحاديث، منها، ما رواه معقل بن يسار رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يسترعي اللّه عبداً رعيّةً يموت حين يموت وهو غاشّ لها إلاّ حرّم اللّه عليه الجنّة»، وفي رواية‏:‏ «ما من وال يلي رَعِيّةً من المسلمين فيموت وهو غاشّ لهم إلاّ حرّم اللّه عليه الجنّة»‏.‏

وظاهر الحديث أنّ الرّاعي والوالي الغاشّ محروم من الجنّة أبداً، لكنّ النّوويّ قال في معنى‏:‏ «حرّم اللّه عليه الجنّة» فيه تأويلان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنّه محمول على المستحلّ، والثّاني‏:‏ حرّم عليه دخولها مع الفائزين السّابقين، ومعنى التّحريم هنا المنع‏.‏

وقال ابن حجر‏:‏ الأولى أنّه محمول على غير المستحلّ، وإنّما أريد به الزّجر والتّغليظ، والمراد أنّه لا يدخل الجنّة في وقت دون وقت ؛ لأنّ اللّه إنّما ولّاه على عباده ليديم لهم النّصيحة - لا ليغشّهم - حتّى يموت على ذلك، فلمّا قلب القضيّة استحقّ أن يعاقب‏.‏

ونقل النّوويّ عن القاضي عياض قوله‏:‏ معناه بيّن في التّحذير من غشّ المسلمين لمن قلّده اللّه شيئاً من أمرهم واسترعاه عليهم ونصّه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم، فإذا خان فيما اؤتمن عليه فلم ينصح فيما قلّده‏:‏ إمّا بتضييعه تعريفهم ما يلزمهم من دينهم وأخذهم به، وإمّا بالقيام بما يتعيّن عليه من حفظ شرائعهم، والذّبّ عنها لكلّ متصدّ لإدخاله داخلةً فيها أو تحريف لمعانيها أو إهمال حدودهم أو تضييع حقوقهم أو ترك حماية حوزتهم ومجاهدة عدوّهم أو ترك سيرة العدل فيهم فقد غشّهم‏.‏

17 - وقد عدّ الذّهبيّ غشّ الولاة من الكبائر، ومن المقرّر أنّ مرتكب الكبيرة فاسق، والفسق مناف للعدالة‏.‏

ويختلف أثر فسق الولاة حسب نوعيّة الولاية ومدى سلطتهم على الرّعيّة‏.‏

ففي الإمامة الكبرى اشترط جمهور الفقهاء العدالة، فلا يجوز تقليد الفاسق، لكنّ الجمهور على عدم اشتراط العدالة في دوام الإمامة، فلا ينعزل السّلطان بالظّلم والفسق وتعطيل الحقوق، ولا يجب الخروج عليه، ويجب وعظه ودعوته إلى الصّلاح، بل إنّ بعضهم قالوا بحرمة الخروج على الإمام الجائر تحرّزاً عن الفتنة، وتقديماً لأخفّ المفسدتين، إلاّ أن يقوم عليه إمام عدل فيجوز الخروج عليه وإعانة ذلك القائم‏.‏

وتختلف هذه الأحكام في سائر الولايات كالقضاء والإمارة ونحوهما حسب اختلاف طبيعتها‏.‏ وينظر التّفصيل في مصطلحات ‏(‏الإمامة الكبرى ف /12، وعزل، وقضاء‏)‏‏.‏

الغشّ في المشورة والنّصيحة

18 - ينبغي على المستشار أن يشير إلى ما فيه رشد المستشير وخيره، فإن أشار عليه بغير صواب فقد غشّه في مشورته، وخانه بكتمان مصلحته، وذلك لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه»‏.‏

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم «المستشار مؤتمن»، أي الّذي طلب منه المشورة والرّأي فيما فيه المصلحة أمين فيما يسأل من الأمور، فلا ينبغي أن يخون المستشير بكتمان مصلحته‏.‏

التّعزير على الغشّ

19 - الغاشّ يؤدّب بالتّعزير بما يراه الحاكم زاجراً ومؤدّباً له، فالمقرّر عند الفقهاء أنّ عقوبة المعصية الّتي لا حدّ فيها ولا كفّارة التّعزير، ولا يمنع التّعزير عن الحكم بالرّدّ وفسخ العقد المبنيّ على الغشّ إذا تحقّقت شروط الرّدّ‏.‏

ونقل الحطّاب عن ابن رشد قوله‏:‏ ممّا لا اختلاف فيه أنّ الواجب على من غشّ أخاه المسلم أو غرّه أو دلّس له بعيب أن يؤدّب على ذلك مع الحكم عليه بالرّدّ، لأنّهما حقّان مختلفان‏.‏

غَصْب

التّعريف

1 - الغصب لغةً‏:‏ هو أخذ الشّيء ظلماً وقهراً، والاغتصاب مثله، يقال‏:‏ غصبه منه وغصبه عليه بمعنىً واحد‏.‏

واصطلاحاً عرّفه أبو حنيفة وأبو يوسف بأنّه‏:‏ إزالة يد المالك عن ماله المتقوّم على سبيل المجاهرة والمغالبة بفعل في المال‏.‏

وعرّفه المالكيّة بأنّه‏:‏ أخذ مال قهراً تعدّياً بلا حرابة‏.‏

وعرّفه الشّافعيّة بأنّه‏:‏ الاستيلاء على حقّ الغير عدواناً، أي بغير حقّ‏.‏

وعرّفه الحنابلة بأنّه‏:‏ الاستيلاء على مال الغير قهراً بغير حقّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - التّعدّي‏:‏

2 - التّعدّي هو‏:‏ مجاوزة الحدّ والحقّ، فهو أعمّ من الغصب‏.‏

ب - الإتلاف‏:‏

3 - الإتلاف هو‏:‏ إخراج الشّيء من أن يكون منتفعاً به منفعةً مطلوبةً منه عادةً‏.‏

والقدر المشترك بين الإتلاف والغصب هو تفويت المنفعة على المالك‏.‏

ويختلفان في أنّ الغصب لا يتحقّق إلاّ بزوال يد المالك أو تقصير يده‏.‏

أمّا الإتلاف فقد يتحقّق مع بقاء اليد‏.‏

كما يختلفان في الآثار من حيث المشروعيّة أو ترتّب الضّمان‏.‏

ج - الاختلاس‏:‏

4 - الاختلاس لغةً‏:‏ أخذ الشّيء مخادعةً عن غفلة‏.‏

واصطلاحاً‏:‏ أخذ الشّيء بحضرة صاحبه جهراً مع الهرب به، سواء جاء المختلس جهاراً أو سرّاً‏.‏

والصّلة أنّ في كلّ منهما أخذ مال الغير بغير حقّ، لكنّ الوسيلة فيهما تختلف‏.‏

د - السّرقة‏:‏

5 - السّرقة‏:‏ هي أخذ مال الغير من حرز مثله على وجه الخفية والاستتار، وهي توجب الحدّ‏.‏

والصّلة أنّ الغصب أخذ مال الغير علانيةً دون استخفاء، بخلاف السّرقة فإنّها تكون خفيةً واستتاراً‏.‏

هـ - الحرابة‏:‏

6 - الحرابة‏:‏ أخذ المال على وجه القهر بحيث يتعذّر معه الغوث أو النّجدة وحكمها يختلف عن حكم الغصب في الجملة، لأنّ المحارب يقتل أو يصلب أو يقطع من خلاف أو ينفى من الأرض، ولا يفعل بالغاصب شيء من ذلك‏.‏

الحكم التّكليفيّ

7 - الغصب حرام إذا فعله الغاصب عن علم ؛ لأنّه معصية، وقد ثبت تحريمه بالقرآن والسّنّة والإجماع‏.‏

أمّا القرآن الكريم‏:‏ فقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ‏}‏‏.‏

وأمّا السّنّة الشّريفة‏:‏ فمنها قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ دماءكم وأموالَكم وأعراضَكم حرامٌ عليكم، كحُرْمةِ يومِكم هذا، في بلدكم هذا في شهركم هذا»

وقوله‏:‏ «لا يحلّ مالُ امرئٍ إلاّ بطيبِ نفسِه»‏.‏

وأمّا الإجماع‏:‏ فقد أجمع المسلمون على تحريم الغصب، وإن لم يبلغ المغصوب نصاب سرقة‏.‏

ما يتحقّق به الغصب

8 - في بيان ما يتحقّق به الغصب اتّجاهان‏:‏

الأوّل‏:‏ للمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد وزفر من الحنفيّة‏:‏ وهو أنّ الغصب يتحقّق بمجرّد الاستيلاء، أي إثبات يد العدوان على الشّيء المغصوب، بمعنى إثبات اليد على مال الغير بغير إذنه، ولا يشترط إزالة يد المالك‏.‏

وليس المقصود من الاستيلاء، الاستيلاء الحسّيّ بالفعل، وإنّما يكفي الحيلولة بين المال وبين صاحبه، ولو أبقاه بموضعه الّذي وضعه فيه‏.‏

والثّاني‏:‏ لأبي حنيفة وأبي يوسف، وبرأيهما يفتى في المذهب‏:‏ وهو أنّ الغصب إزالة يد المالك عن ماله المتقوّم على سبيل المجاهرة والمغالبة، بفعل في المال، أي أنّ الغصب لا يتحقّق إلاّ بأمرين اثنين هما‏:‏ إثبات يد الغاصب ‏"‏ وهو أخذ المال ‏"‏ وإزالة يد المالك، أي بالنّقل والتّحويل‏.‏

والمراد باليد‏:‏ القدرة على التّصرّف، وعدم اليد‏:‏ عدم القدرة على التّصرّف‏.‏

ما يتحقّق فيه الغصب

9 - ما يتحقّق فيه الغصب منه ما هو متّفق عليه، ومنه ما هو مختلف فيه‏.‏

أمّا المتّفق عليه فهو المال المنقول المتقوّم المعصوم المملوك لصاحبه غير المباح، فما يملكه المسلم أو الذّمّيّ من غير الخمر والخنزير والصّلبان، كالأمتعة الشّخصيّة والكتب والحليّ والدّوابّ والسّيّارات، يتصوّر فيه الغصب‏.‏

وأمّا المختلف في تحقّق الغصب فيه، فهو ما يأتي‏:‏

أ - العقار‏:‏

10 - العقار هو‏:‏ كلّ ما لا يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر كالأرض والدّار‏.‏

وقد ذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد وزفر من الحنفيّة إلى أنّه يتصوّر غصب العقار من الأراضي والدّور، ويجب ضمانها على غاصبها ؛ لأنّه يكفي عندهم لتوافر معنى الغصب إثبات يد الغاصب على الشّيء بالسّكنى ووضع الأمتعة وغيرها، ويترتّب عليه ضمناً بالضّرورة إزالة يد المالك ؛ لاستحالة اجتماع اليدين على محلّ واحد في حالة واحدة‏.‏

واستدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من ظلم قيد شبر من الأرض طوّقه من سبع أرضين» فإنّه يدلّ على تحقّق الغصب في العقار، قال ابن حجر‏:‏ وفي الحديث إمكان غصب الأرض‏.‏

وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّ الغصب لا يتحقّق إلاّ فيما ينقل ويحوّل ؛ لأنّ حقيقة الغصب في رأيهما - وهو إزالة يد المالك بالنّقل - لا تتحقّق إلاّ فيه دون غيره‏.‏

وأمّا العقار كالأرض والدّار فلا يتصوّر وجود معنى الغصب فيه ؛ لعدم إمكان نقله وتحويله، فمن غصب عقاراً فهلك في يده بآفة سماويّة، كغلبة سيل أو حريق أو صاعقة، لم يضمنه عندهما ؛ لعدم تحقّق الغصب بإزالة اليد ؛ لأنّ العقار في محلّه لم ينقل، فصار كما لو حال بين المالك وبين متاعه، فتلف المتاع، فلا يضمن عندهما، أمّا لو كان الهلاك بفعل الغاصب كأن هدمه، فيضمنه، لأنّ الغصب إذا لم يتحقّق في العقار، فيعتبر الإتلاف، والإتلاف مضمون على المتلف‏.‏

وذكر في المبسوط‏:‏ والأصحّ أن يقال‏:‏ جحود الوديعة لو كانت عقاراً بمنزلة الغصب، فلا يكون موجباً للضّمان في العقار في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله‏.‏

ب - العين المؤجّرة‏:‏

11 - اختلف الفقهاء في غصب العين المؤجّرة‏.‏

فذهب بعضهم إلى أنّه إذا غصبت العين المؤجّرة ثبت الخيار للمستأجر في فسخ الإجارة لذهاب محلّ استيفاء المنفعة، أو عدم الفسخ‏.‏

وفصّل آخرون في الحكم‏.‏

وللتّفصيل ينظر مصطلح ‏(‏إجارة ف /54‏)‏‏.‏

ج - زوائد المغصوب وغلّته ومنافعه‏:‏

12 - اختلف الفقهاء في تحقّق غصب زوائد المغصوب وغلّته ومنافعه أو عدم تحقّقه، فذهب فريق منهم إلى وقوع ذلك، وخالفه آخرون، وتوسّط فريق ثالث ورتّبوا على ذلك خلافهم في الضّمان وسيأتي تفصيل ذلك‏.‏

غصب غير المتقوّم

13 - قال الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ لا تضمن الخمر والخنزير، سواء أكان متلفها مسلماً أم ذمّيّاً، وسواء أكانت لمسلم أم لذمّيّ إذ لا قيمة لها، كالدّم والميتة وسائر الأعيان النّجسة، وما حرم الانتفاع به لم يضمن ببدل عنه، لأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم حرّم بيع الخمر، وأمر بإراقتها، فما لا يحلّ بيعه ولا تملّكه، لا ضمان فيه‏.‏

لكن إذا كانت خمر الذّمّيّ ما زالت باقيةً عند الغاصب، يجب ردّها عليه ؛ لأنّه يقرّ على شربها‏.‏

فإن غصبها من مسلم لم يلزم عند الحنابلة ردّها، ويجب إراقتها، لأنّه لا يقرّ على اقتنائها، ويحرم ردّها إلى المسلم إذا لم يكن صانع خلّ ‏(‏خلّالاً‏)‏ ؛ لأنّه إعانة له على ما يحرم عليه‏.‏ وفصّل الشّافعيّة في الأمر، فقالوا‏:‏ تردّ الخمر المحترمة - وهي الّتي عصرت بقصد الخلّيّة، أو بغير قصد الخمريّة وهو المعتمد - المغصوبة من مسلم إليه، ولا تردّ الخمر غير المحترمة، بل تراق‏.‏

ولو غصب عصيراً، فتخمّر، ثمّ تخلّل، فالأصحّ عند الشّافعيّة أنّ الخلّ للمالك، وعلى الغاصب أرش ما نقص من قيمة العصير إن كان الخلّ أنقص قيمةً من العصير، لحصوله في يده، وقال الحنابلة‏:‏ إنّه يجب عليه مثل العصير‏.‏

ولو غصب شخص جلد ميتة فدبغه، فالأصحّ عند الشّافعيّة أيضاً أنّ الجلد للمغصوب منه، كالخمر الّتي تخلّلت، فإذا تلفا بيده ضمنهما‏.‏

وعند الحنابلة‏:‏ لا يلزم الغاصب ردّ جلد الميتة ولو دبغه ؛ لأنّه لا يطهر بدبغه عندهم، ولا قيمة له ؛ لأنّه لا يصحّ بيعه‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يضمن الغاصب خمر المسلم أو خنزيره إذا غصبه وهلك في يده، أو استهلكه، أو خلّل الخمر، سواء أكان الغاصب مسلماً أم ذمّيّاً ؛ لأنّ الخمر ليست بمال متقوّم في حقّ المسلم، ويجب إراقتها، وكذا الخنزير غير متقوّم‏.‏

لكن لو قام الغاصب بتخليل خمر المسلم، ثمّ استهلكها يضمن خلّاً مثلها لا خمراً ؛ لأنّه وجد منه سبب الضّمان، وهو إتلاف خلّ مملوك للمغصوب منه، فيضمن، ولصاحب الخمر أن يأخذ الخلّ بغير شيء ؛ وكذلك يضمن الغاصب جلد الميتة إذا دبغه الغاصب، ويأخذ جلد الميتة ويردّ عليه ما زاد الدّباغ فيه إن دبغها بما له قيمة، وكذلك إذا خلّل الخمر بما له قيمة‏.‏ ويضمن المسلم أو الذّمّيّ خمر الذّمّيّ أو خنزيره إذا استهلكه ؛ لأنّ كلّاً منهما مال عند أهل الذّمّة، فالخمر عندهم كالخلّ عندنا، والخنزير عندهم كالشّاة عندنا، ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون، وبه يقرّون على بيعهما‏.‏

لكن تجب على المسلم قيمة الخمر لا ردّ مثلها وإن كانت الخمر من المثليّات ؛ لأنّ المسلم ممنوع من تملّكها، وغير المسلم يجوز له تسليم المثل ؛ لأنّه يجوز له تملّك الخمر وتمليكها بالبيع وغيره‏.‏

أمّا الميتة والدّم ولو لذمّيّ، فلا يضمنان بالغصب ؛ لأنّهما ليسا بمال، ولا يدين أحد من أهل الأديان تموّلهما‏.‏

وكذلك يضمن من المسلم قيمة صليب غصبه من نصرانيّ، فهلك في يده ؛ لأنّه مقرّ على ذلك‏.‏

ومذهب المالكيّة كمذهب الحنفيّة فيما ذكر، فإنّهم قالوا‏:‏ لا تضمن خمر المسلم أو خنزيره، ولا آلات الملاهي والأصنام، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ اللّه تعالى ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام»‏.‏ ولأنّه لا قيمة لها، وما لا قيمة له لا يضمن‏.‏

لكن يضمن الغاصب خمر الذّمّيّ لتعدّيه عليه ؛ ولأنّها مال محترم عند غير المسلمين يتموّلونها‏.‏

وإذا تخلّلت الخمر وكانت لمسلم، خيّر صاحبها بين أخذها خلّاً، أو مثل عصيرها إن علم قدرها وإلاّ فقيمتها‏.‏ أمّا خمر غير المسلم إذا تخلّلت فيخيّر صاحبها بين أخذ قيمتها يوم الغصب، أو أخذ الخلّ، على المفتى به عند المالكيّة‏.‏

وإن كان المغصوب جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ، أو كلباً مأذوناً في اتّخاذه مثل كلب صيد أو ماشية أو حراسة فأتلفه الغاصب، فإنّه يغرم القيمة ولو لم يجز بيع الجلد أو الكلب، وأمّا الكلب غير المأذون فيه، فلا قيمة له‏.‏

آثار الغصب

للغصب آثار تتعلّق بكلّ من الشّيء المغصوب والغاصب والمالك المغصوب منه‏.‏

أوّلاً - ما يلزم الغاصب

14 - يلزم الغاصب الإثم إذا علم أنّه مال الغير، وردّ العين المغصوبة ما دامت قائمةً، وضمانها إذا هلكت‏.‏

أ - الإثم والتّعزير‏:‏

15 - يستحقّ الغاصب المؤاخذة في الآخرة، إذا فعل الغصب عالماً أنّ المغصوب مال الغير؛ لأنّ ذلك معصية، وارتكاب المعصية عمداً موجب للمؤاخذة، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدّم‏:‏ «من ظلم قيد شبر من الأرض، طوّقه من سبع أرضين»‏.‏

وصرّح الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة بأنّه يؤدّب بالضّرب والسّجن غاصب مميّز، صغيراً أو كبيراً ؛ رعايةً لحقّ اللّه تعالى ولو عفا عنه المغصوب منه، باجتهاد الحاكم ؛ لدفع الفساد وإصلاح حاله وزجراً له ولأمثاله‏.‏

أمّا غير المميّز، من صغير ومجنون، فلا يعزّر‏.‏

فإن حدث الغصب والشّخص جاهل بكون المال لغيره، بأن ظنّ أنّ الشّيء ملكه فلا إثم ولا مؤاخذة عليه ؛ لأنّه خطأ لا مؤاخذة عليه شرعاً، لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «إنّ اللّه تجاوز عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه»، وعليه ردّ العين ما دامت قائمةً، والغرم إذا صارت هالكةً‏.‏

ب - ردّ العين المغصوبة‏:‏

16 - ذهب الفقهاء إلى أنّه يجب على الغاصب ردّ العين المغصوبة إلى صاحبها حال قيامها ووجودها بذاتها، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» وقوله أيضاً‏:‏ «لا يأخذنّ أحدكم متاع أخيه لاعباً ولا جادّاً، ومن أخذ عصا أخيه فليردّها»‏.‏

وتردّ العين المغصوبة إلى مكان الغصب لتفاوت القيم باختلاف الأماكن‏.‏

ومؤنة الرّدّ على الغاصب ؛ لأنّها من ضرورات الرّدّ، فإذا وجب عليه الرّدّ، وجب عليه ما هو من ضروراته، كما في ردّ العاريّة‏.‏

قال الكاسانيّ‏:‏ الأصل أنّ المالك يصير مستردّاً للمغصوب بإثبات يده عليه ؛ لأنّه صار الشّيء مغصوباً بتفويت يده عنه، فإذا أثبت يده عليه فقد أعاده إلى يده، وزالت يد الغاصب عنه، إلاّ أن يغصبه مرّةً أخرى‏.‏

ويبرأ الغاصب من الضّمان بالرّدّ، سواء علم المالك بحدوث الرّدّ أم لم يعلم ؛ لأنّ إثبات اليد على الشّيء أمر حسّيّ، لا يختلف بالعلم أو الجهل بحدوثه‏.‏

فإن كان المغصوب قد فات، كأن هلك أو فقد أو هرب، ردّ الغاصب إلى المغصوب منه مثله إن كان له مثل، بأن كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً من الطّعام والدّنانير والدّراهم وغير ذلك، أو قيمته إن لم يكن له مثل‏.‏ كالعروض والحيوان والعقار‏.‏

ثانياً - حقوق المغصوب منه

17 - للمالك المغصوب منه حقوق تقابل ما يلزم الغاصب من الأحكام السّابقة، وهذه الحقوق هي‏:‏ ردّ عين المغصوب والثّمار والغلّة، والتّضمين، وحقّه في الهدم والقلع لما أحدثه الغاصب في ملكه، والجمع بين أخذ القيمة والغلّة‏.‏

أ - ردّ أو استرداد عين المغصوب وزوائده وغلّته ومنافعه‏:‏

18 - ذهب الفقهاء إلى أنّ من حقّ المغصوب منه أن يردّ إليه الغاصب عين ماله الّذي غصبه إذا كان باقياً بحاله، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» وقوله‏:‏ «لا يأخذنّ أحدُكم متاعَ أخيه لاعباً أو جادّاً، فإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردّها» ؛ ولأنّ ردّ عين المغصوب هو الموجب الأصليّ للغصب ؛ ولأنّ حقّ المغصوب منه معلّق بعين ماله وماليّته، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بردّه، والواجب الرّدّ في المكان الّذي غصبه ؛ لتفاوت القيم بتفاوت الأماكن‏.‏

وأمّا زوائد المغصوب ففيه التّفصيل الآتي‏:‏

ذهب الشّافعيّة والحنابلة ومحمّد من الحنفيّة إلى أنّ زوائد المغصوب في يد الغاصب تضمن، سواء أكانت متّصلةً كالسّمن ونحوه، أم منفصلةً كثمرة الشّجرة وولد الحيوان، متى تلف شيء منها في يد الغاصب ؛ لتحقّق إثبات اليد العادية ‏"‏ الضّامنة ‏"‏ لأنّه بإمساك الأصل تسبّب في إثبات يده على هذه الزّوائد، وإثبات يده على الأصل محظور‏.‏

ويرى أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما اللّه تعالى أنّ زوائد المغصوب لا تضمن إذا هلكت بلا تعدّ، وإنّما هي أمانة في يد الغاصب لا تضمن إلاّ بالتّعدّي أو بالتّقصير، سواء أكانت منفصلةً كالولد واللّبن والثّمرة، أم متّصلةً كالسّمن والجمال، لأنّ الغصب في رأيهما هو إثبات يد الغاصب على مال الغير على وجه يزيل يد المالك، كما تقدّم بيانه، ويد المالك لم تكن ثابتةً على هذه الزّيادة حتّى يزيلها الغاصب، والمراد أنّ عنصر ‏"‏ إزالة يد المالك ‏"‏ لم يتحقّق هنا، كما لم يتحقّق في غصب العقار‏.‏

فإن تعدّى الغاصب على الزّيادة، بأن أتلفها أو أكلها أو باعها، أو طلبها مالكها فمنعها عنه، ضمنها، لأنّه بالتّعدّي أو المنع صار غاصباً‏.‏

وفصّل المالكيّة في الأرجح عندهم في نوع الزّيادة، فقالوا‏:‏ إذا كانت الزّيادة الّتي بفعل اللّه متّصلةً كالسّمن والكبر، فلا تكون مضمونةً على الغاصب، وأمّا إذا كانت الزّيادة منفصلةً، ولو نشأت من غير استعمال الغاصب كاللّبن والصّوف وثمر الشّجر، فهي مضمونة على الغاصب إن تلفت أو استهلكت، ويجب ردّها مع المغصوب الأصليّ على صاحبها‏.‏

أمّا منافع المغصوب ففيه التّفصيل الآتي‏:‏

ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الغاصب يضمن منفعة المغصوب، وعليه أجر المثل، سواء استوفى المنافع أم تركها تذهب، وسواء أكان المغصوب عقاراً كالدّار، أم منقولاً كالكتاب والحليّ ونحوهما ؛ لأنّ المنفعة مال متقوّم، فوجب ضمانه كالعين المغصوبة ذاتها‏.‏

وذهب متقدّمو الحنفيّة إلى أنّ الغاصب لا يضمن منافع ما غصبه من ركوب الدّابّة، وسكنى الدّار، سواء استوفاها أو عطّلها ؛ لأنّ المنفعة ليست بمال عندهم ؛ ولأنّ المنفعة الحادثة على يد الغاصب لم تكن موجودةً في يد المالك، فلم يتحقّق فيها معنى الغصب ؛ لعدم إزالة يد المالك عنها‏.‏

وأوجب متأخّرو الحنفيّة ضمان أجر المثل في ثلاثة مواضع - والفتوى على رأيهم - وهي‏:‏ أن يكون المغصوب وقفاً، أو ليتيم، أو معدّاً للاستغلال، بأن بناه صاحبه أو اشتراه لذلك الغرض‏.‏

وإن نقص المغصوب - أي ذاته - باستعمال الغاصب غرم النّقصان، لاستهلاكه بعض أجزاء العين المغصوبة‏.‏

وأمّا غلّة المغصوب‏:‏

فلا تطيب في رأي أبي حنيفة ومحمّد للغاصب ؛ لأنّه لا يحلّ له الانتفاع بملك الغير، وقال أبو يوسف وزفر‏:‏ تطيب له‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ للمغصوب منه غلّة مغصوب مستعمل إذا استعمله الغاصب أو أكراه، سواء كان عبداً أو دابّةً أو أرضاً أو غير ذلك على المشهور، فإذا لم يستعمل فلا شيء عليه ولو فوّت على ربّه استعماله، إلاّ إذا نشأ من غير استعمال كلبن وصوف وثمر‏.‏

ب - الضّمان‏:‏

19 - ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا تلف المغصوب في يد الغاصب أو نقص أو أتلفه، أو حدث عيب مفسد فيه، أو صنع شيء منه حتّى سمّي باسم آخر، كخياطة القماش، وصياغة الفضّة حليّاً، وصناعة النّحاس قدراً، وجب على الغاصب ضمانه، وحقّ للمالك المغصوب منه تضمينه، بأن يدفع له مثله إن كان من المثليّات، وهي المكيلات كالحبوب، والموزونات كالأقطان والحديد، والذّرعيّات كالأقمشة، والعدديّات المتقاربة كالجوز واللّوز ‏;‏ لأنّ الواجب الأصليّ في الضّمانات هو المثل، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ‏}‏ ولأنّ المثل أعدل، لما فيه من مراعاة الجنس والماليّة، فكان أدفع للضّرر وأقرب إلى الأصل، فالمثل أقرب إلى الشّيء من القيمة، وهو مماثل له صورةً ومعنًى، فكان الإلزام به أعدل وأتمّ لجبران الضّرر، والواجب في الضّمان الاقتراب من الأصل بقدر الإمكان تعويضاً للضّرر، ولما روي عن عائشة رضي الله عنها «أنّها قالت‏:‏ ما رأيت صانعة طعام مثل صفيّة‏:‏ أهدت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم إناءً فيه طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته، فسألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن كفّارته ‏؟‏ فقال‏:‏ إناء كإناء وطعام كطعام»‏.‏

20 - فإن لم يقدر الغاصب على المثل أو كان المال قيميّاً كالأرض والدّار والثّوب والحيوان، وجب عليه ضمان القيمة، وذلك في ثلاث حالات‏:‏

الأولى‏:‏ إذا كان الشّيء غير مثليّ، كالحيوانات والدّور والمصوغات، فلكلّ واحد منها قيمة تختلف عن الأخرى باختلاف الصّفات المميّزة لكلّ واحد‏.‏

الثّانية‏:‏ إذا كان الشّيء خليطاً ممّا هو مثليّ بغير جنسه كالحنطة مع الشّعير‏.‏

الثّالثة‏:‏ إذا كان الشّيء مثليّاً تعذّر وجود مثله، والتّعذّر إمّا حقيقيّ حسّيّ، كانقطاع وجود المثل في السّوق بعد البحث عنه وإن وجد في البيوت، أو حكميّ، كأن لم يوجد إلاّ بأكثر من ثمن المثل، أو شرعيّ بالنّسبة للضّامن، كالخمر بالنّسبة للمسلم، يجب عليه للذّمّيّ عند الحنفيّة والمالكيّة ضمان القيمة وإن كانت الخمر من المثليّات لأنّه يحرم على المسلم تملّكها‏.‏

ج - الهدم والقلع‏:‏

21 - اتّفق الفقهاء على أنّ الغاصب يلزم بردّ المغصوب إلى صاحبه كما أخذه، كما يلزم بإزالة ما أحدث فيه من بناء، أو زرع أو غرس، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ليس لعرق ظالم حقّ» وللمالك المطالبة بهدم البناء الّذي بناه الغاصب على المغصوب، وقلع الشّجر الّذي غرسه أو الزّرع الّذي زرعه بلا إذن المالك‏.‏

غير أنّ فقهاء المذاهب فصّلوا في الأمر كما يلي‏:‏

فذهب الحنفيّة إلى أنّ من غصب ساجةً ‏"‏ خشبةً عظيمةً تستعمل في أبواب الدّور وبنائها ‏"‏ فبنى عليها أو حولها، وكانت قيمة البناء أكثر من قيمتها، زال ملك مالكها عنها، ولزم الغاصب قيمتها، لصيرورتها شيئاً آخر، وفي القلع ضرر ظاهر لصاحب البناء ‏(‏الغاصب‏)‏ من غير فائدة تعود للمالك، وضرر المالك ينجبر بالضّمان، ولا ضرر في الإسلام، أمّا إذا كانت قيمة السّاجة أكثر من البناء، فلم يزل ملك مالكها، لأنّه ‏"‏ يرتكب أخفّ الضّررين وأهون الشّرّين ‏"‏‏.‏

وعقّب قاضي زاده على هذه التّفرقة، فقال‏:‏ لا فرق في المعنى بين أن تكون قيمة البناء أكثر من قيمة السّاجة وبين العكس ؛ لأنّ ضرر المالك مجبور بالقيمة، وضرر الغاصب ضرر محض، ولا ريب أنّ الضّرر المجبور دون الضّرر المحض، فلا يرتكب الضّرر الأعلى عند إمكان العمل بالضّرر الأدنى، فيعمل بقاعدة‏:‏ ‏"‏ الضّرر الأشدّ يزال بالأخفّ ‏"‏ في مسألة السّاجة، أي أنّه يعوّض المالك، وتزول ملكيّته عن السّاجة‏.‏

وأمّا مسألة السّاجة فهي‏.‏‏.‏ لو غصب غاصب أرضاً فغرس فيها، أو بنى فيها، وكانت قيمة الأرض ‏(‏السّاجة‏)‏ أكثر، أجبر الغاصب على قلع الغرس، وهدم البناء، وردّ الأرض فارغةً إلى صاحبها كما كانت ؛ لأنّ الأرض لا تغصب حقيقةً عندهم، فيبقى فيها حقّ المالك كما كان، والغاصب جعلها مشغولةً، فيؤمر بتفريغها، إذ «ليس لعرق ظالم حقّ» كما تقدّم، فإن كانت قيمة البناء أكثر، فللغاصب أن يضمن للمالك قيمة الأرض ويأخذها‏.‏

وإذا كانت الأرض تنقص بقلع الغرس منها أو هدم البناء، فللمالك أن يضمن للغاصب قيمة البناء والغرس مقلوعاً ‏"‏ أنقاضاً ‏"‏ رعايةً لمصلحة الطّرفين، ودفعاً للضّرر عنهما فتقوّم الأرض بدون الشّجر والبناء، وتقوّم وبها شجر وبناء مستحقّ القلع والهدم، فيضمن الفرق بينهما‏.‏

وإذا زرع الغاصب الأرض، فإن كانت الأرض ملكاً فإن أعدّها صاحبها للزّراعة، فيكون الأمر مزارعةً بين المالك والغاصب، ويحتكم إلى العرف في حصّة كلّ منهما، النّصف أو الرّبع مثلاً، وإن كانت معدّةً للإيجار فالنّاتج للزّارع، وعليه أجر مثل الأرض، وإن لم يكن شيء ممّا ذكر، فعلى الغاصب نقصان ما نقص الزّرع، وأمّا إذا كانت الأرض وقفاً أو مال يتيم، اعتبر العرف إذا كان أنفع، وإن لم يكن العرف أنفع، وجب أجر المثل، لقولهم‏:‏ يفتى بما هو أنفع للوقف‏.‏

ويرى المالكيّة في حالة البناء‏:‏ أنّ من غصب أرضاً أو عموداً أو خشباً، فبنى فيها أو بها‏.‏ يخيّر المالك بين المطالبة بهدم البناء على المغصوب، وبين إبقائه على أن يعطي الغاصب قيمة الأنقاض، بعد طرح أجرة القلع أو الهدم، ولا يعطيه قيمة التّجصيص والتّزويق ونحوهما ممّا لا قيمة له، أي إنّهم يرجّحون مصلحة المالك، لأنّه صاحب الحقّ‏.‏

ومن غصب ساريةً أو خشبةً فبنى عليها، فلصاحبها أخذها وإن هدم البنيان‏.‏

أمّا في حالة الغرس‏:‏ فمن غصب أرضاً، فغرس فيها أشجاراً، فلا يؤمر بقلعها، وللمغصوب منه أن يعطيه قيمتها بعد طرح أجرة القلع كالبنيان، فإن غصب أشجاراً، فغرسها في أرضه، أمر بقلعها‏.‏

وأمّا في حالة الزّرع‏:‏ فمن زرع في الأرض المغصوبة زرعاً، فإن أخذها صاحبها في إبّان الزّراعة، فهو مخيّر بين أن يقلع الزّرع، أو يتركه للزّارع ويأخذ الكراء، وإن أخذها بعد إبّان الزّراعة فللمالكيّة رأيان‏:‏ رأي أنّ المالك يخيّر كما ذكر، ورأي ليس له قلعه وله الكراء، والزّرع لزارعه‏.‏

وقرّر الشّافعيّة‏:‏ أنّ الغاصب يكلّف بهدم البناء وقلع الغراس على الأرض المغصوبة، وعليه أرش النّقص إن حدث، وإعادة الأرض كما كانت، وأجرة المثل في مدّة الغصب إن كان لمثلها أجرة، ولو أراد المالك تملّكها بالقيمة، أو إبقاءها بأجرة، لم يلزم الغاصب إجابته في الأصحّ ‏;‏ لإمكان القلع بلا أرش‏.‏ ولو بذر الغاصب بذراً في الأرض وكان البذر والأرض مغصوبين من شخص واحد، فللمالك تكليفه إخراج البذر منها وأرش النّقص، وإن رضي المالك ببقاء البذر في الأرض، لم يكن للغاصب إخراجه، كما لا يجوز للغاصب قلع تزويق الدّار المغصوبة إن رضي المالك ببقائه‏.‏

ووافق الحنابلة والشّافعيّة في مسألتي البناء والغرس على الأرض المغصوبة، للحديث المتقدّم‏:‏ «ليس لعرق ظالم حقّ» أمّا في حالة زرع الأرض فقالوا‏:‏ يخيّر المالك بين إبقاء الزّرع إلى الحصاد، وأخذ أجر الأرض وأرش النّقص من الغاصب، وبين أخذ الزّرع له، ودفع النّفقة للغاصب، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزّرع شيء، وله نفقته» وقوله عليه السلام في حديث آخر‏:‏ «خذوا زرعكم، وردّوا إليه نفقته» أي للغاصب‏.‏

د - الجمع بين أخذ القيمة والغلّة‏:‏

22 - للفقهاء اتّجاهان في مسألة جمع المالك بين أخذ القيمة إذا تلف المغصوب، وبين أخذ الغلّة كالأجرة المستفادة من إيجار الأعيان المغصوبة‏.‏

الاتّجاه الأوّل - للحنفيّة والمالكيّة‏:‏ وهو أنّه لا يجمع المالك بين أخذ قيمة وغلّة ؛ لأنّ المضمونات تملك بأداء الضّمان مستنداً، أي بأثر رجعيّ إلى وقت الغصب، فتكون الغلّة من حقّ الغاصب إذا أدّى قيمة المغصوب إلى المالك، ولا يلزم الغاصب بالقيمة إلاّ بتلف المغصوب أو فواته‏.‏

والاتّجاه الثّاني - للشّافعيّة والحنابلة‏:‏ وهو أنّه يجمع المالك بين أخذ القيمة عند التّلف والغلّة ؛ لأنّه تلفت عليه منافع ماله بسبب كان في يد الغاصب، فلزمه ضمانها، كما لو لم يدفع القيمة، والأجرة أو الغلّة في مقابلة ما يفوت من المنافع، لا في مقابلة أجزاء الشّيء المغصوب، فتكون القيمة واجبةً في مقابلة ذات الشّيء، والغلّة في مقابلة المنفعة، وإن تلف المغصوب فعلى الغاصب أجرته إلى حين تلفه، لأنّه من حين التّلف لم تبق له منفعة حتّى يتوجّب عليه ضمانها‏.‏

ومنشأ الخلاف‏:‏ هل يملك الغاصب الشّيء المغصوب بأداء الضّمان، فقال أرباب الاتّجاه الأوّل‏:‏ الضّامن يملك المال المضمون بالضّمان من وقت قبضه‏.‏

وقال أصحاب الاتّجاه الثّاني‏:‏ لا يملك الغاصب الشّيء المغصوب بأداء الضّمان ؛ لأنّ الغصب عدوان محض، فلا يصلح سبباً للملك‏.‏